مصطفى صادق الرافعي

197

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

منهم تقصص اللغات وحفظ ما بينها من فروق الأوضاع واختلاف الصيغ وأنواع الأبنية ، واستقصى لذلك يستظهر به عليهم أو ينتحله فيهم ؛ بل كانت هذه الأسباب مقطوعة منهم ، لا تجد في الطبيعة ما يمتد بها ، أو ينميها ، أو يجعل لها عندهم شأنا ، أو يبغيها حاجة من الحاجات الباعثة عليها ؛ فليس إلا أن يكون ما خص به النبي صلّى اللّه عليه وسلم من ذلك قد كان توفيقا وإلهاما من اللّه ، أو ما هذه سبيله ، مما لا ننفذ في أسبابه ، ولا نقضي فيه بالظن فقد علمه اللّه من أشياء كثيرة ما لم يكن يعلم ؛ حتى لا يعيا بقوم إن وردوا عليه ، ولا يحصر إن سألوه ، ولا يكون في كل قبيل إلا منهم ؛ لتكون الحجة به أظهر ، والبرهان على رسالته أوضح ، وليعلم أن ذلك له خاصة من دون العرب ، فهو يفي بهم في هذه الخصلة البيّنة ، كما يفي بهم في خصال أخرى كثيرة . فهذه واحدة ، وأما الثانية فقد كان صلّى اللّه عليه وسلم في اللغة القرشية التي هي أفصح اللغات وألينها ، بالمنزلة التي لا يدافع عليه ، ولا ينافس فيها وكان من ذلك في أقصى النهاية ، وإنما فضلهم بقوة الفطرة واستمرارها وتمكنها مع صفاء الحسّ ونفاذ البصيرة واستقامة الأمر كله ، بحيث يصرف اللغة تصريفا ، ويديرها على أوضاعها ، ويشقق منها في أساليبها ومفرداتها ما لا يكون لهم إلا القليل منه ؛ لأن القوة على الوضع والكفاية في تشقيق اللغة وتصاريف الكلام ، لا تكون في أهل الفطرة مزاولة ومعاناة ولا بعد نظر فيها وارتياض لها ، إنما هي إلهام بمقدار ، تهيئ له الفطرة القوية ، وتعين عليه النفس المجتمعة والذهن الحادّ والبصر النفّاذ ، فعلى حسب ما يكون للعربي في هذه المعاني ، تكون كفايته ومقدار تسديده في باب الوضع . وليس في العرب قاطبة من جمع اللّه فيه هذه الصفات ، وأعطاه الخالص منها ، وخصه بجملتها ، وأسلس له مآخذها ، وأخلص له أسبابها كالنبي صلّى اللّه عليه وسلم فهو اصطنعه لوحيه ، ونصبه لبيانه ، وخصه بكتابه ، واصطفاه لرسالته ؛ وإذا عسى أن يكون وراء ذلك في باب الإلهام وجمام الطبيعة وصفاء الحاسة وثقوب الذهن واجتماع النفس وقوة الفطرة ووثاقة الأمر كله بعضه إلى بعض . ولا يذهبنّ عنك أن للنشأة اللغوية في هذا الأمر ما بعدها ، وأن أكبر الشأن في اكتساب المنطق واللغة ، للطبيعة والمخالطة والمحاكاة ، ثم ما يكون من سمو الفطرة وقوتها فإنما هذه سبيله : يأتي من ورائها وهي الأسباب إليه « 1 » ؛ وقد نشأ النبي صلّى اللّه عليه وسلم وتقلّب في أفصح القبائل وأخلصها منطقا ، وأعذبها بيانا ، فان مولده في بني هاشم ، وأخواله في بني زهرة ، ورضاعه في سعد بن بكر ، ومنشؤه في قريش ، ومتزوّجه في بني

--> ( 1 ) فصّلنا هذا المعنى في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب .